على الطرقات الممتدة من شمال غزة إلى جنوبها، يسير الآلاف حفاةً أو منهكين يحملون ما تبقى من حياتهم على أكتافهم. وجوه شاحبة، أطفال يبكون من العطش والجوع، شيوخ يتكئون على عصيّهم، وأمهات يجررن أقدامهن المرهقة وعيونهن غارقة بالدموع. الناس لم يرحلوا باختيارهم، بل أُجبروا تحت وابل القصف وصوت الطائرات الذي لا يغيب عن السماء. مدارسهم دُمّرت، بيوتهم سُوّيت بالأرض، والملاجئ لم تعد آمنة. فُرض عليهم أن يتركوا ذكرياتهم وأرضهم وبيوتهم التي كبروا فيها، ليبحثوا عن مأوى مؤقت لا يضمن لهم حياة ولا كرامة. هذا النزوح ليس انتقالًا من مكان إلى آخر، بل رحلة اقتلاع من الجذور. هو مشهد إنساني يفوق الوصف، حيث يتحول الطريق إلى نهرٍ من الألم، تختلط فيه دموع الأطفال بصمت الرجال المقهورين، ويُدفن فيه الأمل مع كل خطوة نحو المجهول. إنه نزوحٌ يُشبه النكبة، بل نكبات متكررة، وكلها تقول للعالم: هذا شعب يُهجَّر من أرضه بالقوة، لكنه لا ينكسر، وسيبقى حاملًا ذاكرته وحقه مهما طال الطريق.