القدس المحتلة – (خاص بالصوت الفلسطيني )
في خطوة تصعيدية جديدة تستهدف الوجود الفلسطيني في مدينة القدس المحتلة، أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إغلاق "جمعية برج اللقلق المجتمعي"، واضعةً أحد أبرز المعالم التاريخية والاجتماعية في البلدة القديمة تحت مقصلة "النشاط السيادي"، في محاولة لإسكات نبض المؤسسات التي تشكل خط الدفاع الأول عن الهوية المقدسية.
يعود تاريخ "برج اللقلق" إلى حقب زمنية ضاربة في القدم؛ فمنذ تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي عام 1187م، بدأ العمل على تحصينه كحامية للمدينة. وفي القرن السادس عشر، أعاد السلطان العثماني سليمان القانوني بناءه ليكون حارساً للجهة الشمالية الشرقية، وهو الموقع الذي كان يُعد تاريخياً "نقطة ضعف" تسلل منها الصليبيون سابقاً. اليوم، يرتفع البرج بطابقيه وزخارفه العثمانية نحو 12 متراً، مطلاً على المسجد الأقصى وجبل الزيتون، ليؤكد إسلامية وعروبة الفضاء المقدسي.
من ساحة قتال إلى واحة مجتمع :
على مر العقود، لم يكن البرج مجرد حجارة صماء، بل تحول إلى رئة يتنفس من خلالها المقدسيون. فبعد محاولات استيطانية شرسة عام 1991 لبناء 240 وحدة استيطانية، نجح المقدسيون عبر اعتصام تاريخي استمر 40 يوماً في انتزاع حقهم في الأرض، ليؤسسوا "جمعية برج اللقلق".
الجمعية التي تشغل ثاني أكبر مساحة مفتوحة داخل السور بعد المسجد الأقصى، تحولت إلى ملاذ لآلاف الأطفال والشباب والنساء، عبر برامج تعليمية ورياضية كالجودو والتايكوندو، وفعاليات تثبيت الهوية التي باتت تثير حفيظة الاحتلال.
إغلاق 2026.. فصل جديد من المواجهة :
قرار الإغلاق الأخير الصادر في 17 نوفمبر 2026، والذي استند إلى قانون منع النشاط السيادي الفلسطيني، جاء ليؤكد أن المعركة على "برج اللقلق" هي معركة على الوعي والوجود. فاقتحام المكاتب وطرد الموظفين بقوة السلاح لم يكن مجرد إجراء إداري، بل هو جزء من مخطط بدأ منذ عام 1991 ومر بمحطات خطيرة عام 2013 لربط المنطقة بـ "حارة اليهود".
يبقى "برج اللقلق" اليوم صامداً بحجارته وأرضه التي تبلغ 9.5 دونمات بقيت للفلسطينيين، يرقب من علوّ مآذن الأقصى، منتظراً زوال القيود لتعود طيور اللقلق التي سمي باسمها للتحليق فوق فضاء مقدسي حر.