اقتصاد
الخميس 22 يناير 2026 - 4:57 مساءً

اقتصاد "التنسيقات".. كيف حولت القيود الإسرائيلية جوع غزة إلى تجارة تصاريح رابحة ؟

اقتصاد "التنسيقات".. كيف حولت القيود الإسرائيلية جوع غزة إلى تجارة تصاريح رابحة ؟
خاص بالصوت الفلسطيني :
في وقت يصارع فيه سكان قطاع غزة لتأمين أدنى احتياجاتهم الأساسية، كشفت معطيات ميدانية وتقارير اقتصادية عن نشوء "سوق سوداء" كبرى لتبادل التصاريح التجارية، تتم تحت أعين الجيش الإسرائيلي، مما أدى إلى قفزات جنونية في الأسعار يدفع ثمنها المواطن المنهك أصلاً من ويلات الحرب.
احتكار تحت مسمى "التنسيق" :
منذ مطلع عام 2026، شددت السلطات الإسرائيلية من قبضتها على حركة البضائع، حيث وضعت شروطاً بالغة التعقيد ومنعت دخول سلع أساسية بدعوى "الاستخدام المزدوج". هذا التضييق لم يوقف التدفق تماماً، بل حصره في يد فئة محدودة جداً من التجار (لا يتجاوز عددهم 10 تجار)، مما خلق بيئة خصبة للاحتكار .
ووفقاً لشهادات تجار ومصادر صحفية (من بينها "هآرتس" والجارديان)، فإن دخول الشاحنات بات يتطلب "تنسيقات" خاصة تُدفع مقابلها مبالغ طائلة لوسطاء وجهات غير رسمية، فيما يُعرف بـ "تجارة التصاريح" .
أرقام صادمة وتواطؤ صامت :
تشير التقارير إلى أن تكلفة تنسيق دخول الشاحنة الواحدة قد تصل إلى مئات آلاف الشيكلات، وفي حالات إدخال المعدات الثقيلة أو مواد البناء، بلغت المبالغ أرقاماً خيالية.
و تشير أصابع الاتهام إلى أن الجيش الإسرائيلي يسهل مرور هذه الشاحنات ذات "التنسيقات الخاصة" بعيداً عن إجراءات التفتيش والرقابة الصارمة التي تخضع لها المساعدات الإنسانية الدولية .
و رُصد دخول شاحنات تحمل لوحات إسرائيلية مباشرة إلى القطاع، مما يعزز فرضية وجود منظومة تجارية غير رسمية تعمل بعلم السلطات الأمنية.
لا تتوقف خسائر هذه المنظومة عند حدود التجار، بل تنعكس مباشرة على مائدة المواطن في غزة:
تضخم تاريخي: التاجر الذي يدفع "إتاوة" أو رسوم تنسيق باهظة، يضيف هذه التكلفة على سعر السلعة النهائي، مما جعل أسعار الخضروات والمنظفات والوقود تتضاعف لعدة مرات.
استنزاف السيولة: تساهم هذه السوق السوداء في سحب ما تبقى من عملات صعبة وسيولة نقدية من جيوب الغزيين وتحويلها إلى الوسطاء والجانب الإسرائيلي.
تدمير القطاع الخاص: أدت هذه السياسة إلى إقصاء مئات الشركات والتجار الصغار الذين رفضوا أو لم يستطيعوا الدخول في منظومة "شراء التصاريح".
وصفت مؤسسات حقوقية وتجارية في غزة ما يحدث بأنه "شرعنة للفساد التجاري" واستخدام لسياسة التجويع كأداة للربح. وطالبت بفتح المعابر بشكل رسمي وشفاف أمام جميع التجار لكسر سلسلة الاحتكار التي تتغذى على دماء ومعاناة سكان القطاع.
في نهاية المطاف، لا تُعد هذه السوق السوداء مجرد خلل اقتصادي، بل هي وجه آخر لسياسة الحصار التي حولت الاحتياجات الآدمية إلى سلعة للمساومة. وبينما يجني الوسطاء أرباحاً طائلة من 'تجارة التنسيقات'، يظل المواطن في غزة هو الطرف الوحيد الذي يسدد الفاتورة من قوت يومه وما تبقى من كرامة عيشه .